محمد بن عبد الملك الشنتريني الأندلسي ( ابن السراج )

26

جواهر الآداب وذخائر الشعراء والكتاب

دخل غرناطة الكردينال كمنيس في سنة ( 1499 م ) بعد تسليمها بقليل وفق مواثيق مغلّظة وعهود تحفظ للمسلمين حقوقهم كاملة وحريتهم في التعبد والدين وكل شيء ، وحثّ هذا النّصراني الكاثوليكي المتعصب مطرانها ودوقها على اتخاذ وسائل حاسمة لتنصير المسلمين ، وشرع أعنف وسائل الإرهاب كالإغراق ، والسجن ، والتقتيل ، والحرق ، والتعذيب ، والطرد ، والمحاكمات العشوائية ، لمن ينطق بكلمة غير مفهومة أمام الإسبان ، أو لا يفتح باب داره دائما لتسهل مراقبته ، ومنع الحمام ، واللّبس العربي ، والطعام ، وزوّجت بناتهم بأبناء النصارى ، وزوّج شبانهم ببناتهم ، والإرغام على أكل لحم الخنزير ، وتعميد الوليد في الكنيسة ، وعدم الاحتفال بالأعياد الإسلامية ، وتسمية أولادهم بأسماء نصرانية ، وبين عشية وضحاها ألغيت الاتفاقية المبرمة ، وأصبح مصير هؤلاء الملايين ودماؤهم على كفّ عفريت . ثم إنّه جمع ما استطاع جمعه من الكتب العربية ، ورماها أكداسا فوق أكداس في أكبر ساحات المدينة ، وأضرم فيها النار لتذروها رمادا في يد الريح . وقد ذهب بعض الكتاب إلى أن عدد ما أحرق منها يبلغ المليون « 1 » ، وهو رقم يصل إلى ما أغرقه هولاكو من الكتب العربية الإسلامية في نهر دجلة حين اجتاح التتار بغداد . وبعد ، كم لاقت الثقافة العربية من أهوال ، وأهلها من فظائع على يد الهمج الطغام ، والرعاع الجهلاء . وانصرمت الأيام ، وأخنى الدهر على تلك الأمة الأندلسية المقهورة ، ولم يبق في تلك الجزيرة كلها من يقول لا إله إلّا اللّه ، وسحقت إرادة « 2 » أجيال وأجيال ، واقع مفزع رهيب ، وليل بهيم تطاول كابوسه الجاثم الثقيل على صدورهم حتّى طمست تماما إسبانية النصرانية الحاقدة الثقافة العربية الإسلامية ، واعتبرت قرون الإسلام الثمانية ليلا دامسا ينبغي أن تزول آثاره كلها .

--> ( 1 ) الأدب الأندلسي بين التأثر والتأثير ص 232 - 233 . ( 2 ) راجع : 1 - محنة الموريسكوس في إسبانيا لمحمد قشتيلو . 2 - محاكم التفتيش ل د . علي مظهر . 3 - محنة العرب في الأندلس د . أسعد حومد . 4 - الأندلسيون المواركة لعادل سعيد بشتاوي .